محمد محمد أبو ليلة
109
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
إن كتب اليهود والنصارى وما هو موجود من كتب الأديان الأخرى لم تحدث من التأثير ما أحدثه القرآن ولم ولن تجذب إلى نفسها من الخلق ما جذبه القرآن إلى لغته من شتى أجناس الأرض . إن قيم القرآن الأدبية والجمالية ، والعلمية فائقة الحسن والتأثير ، وتأثير القرآن على النفس البشرية باق وتام أبدا . يستمر المستشرق ويلش في عرض موضوعه ، فيقول : " إن هناك آيات مدنية متعددة تعطى الانطباع بأن محمدا كان يحاول بهمة ودأب أن يحصل على معلومات من كتب اليهود المقدسة ، مستشهدا على ذلك بما جاء في آية : يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ( المائدة : 15 ) ، فهم ويلش من الفعل " تخفون " أن اليهود كانوا لم يمكّنوا محمدا من كتبهم ؛ ولقد فاته أن يفهم أن الآية لا تلوم اليهود ، لأنهم أخفوا كتابهم عن محمد ، ومنعوه أن ينقل منه ؛ بل إن الآية تتحدث على طريقة الخطاب القرآني وتبين أن اليهود بدّلوا وحرّفوا كتبهم ، وأخفوا منها وأظهروا ، وأوّلوا نصوصها على وفق أهوائهم ونوازعهم الطائفية والعنصرية ؛ والآية تشير تحديدا إلى إخفائهم لآية الرجم ، بالتحديد ، كما جاء في الحديث الذي أخرجه ابن جرير وغيره ؛ وفي الآية أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم بين لهم في القرآن أشياء كثيرة مما كانوا يتعمدون إخفاءها ؛ ولم يرد أن محمدا سأل اليهود أن يطلعوه على كتبهم البتة ؛ كيف وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب ؟ أضف إلى ذلك أن كتابهم كان بالعبرية ، ولم يترجم منها شيء بعد إلى العربية كما هو معلوم لعلماء الأديان ؛ وكيف يقرأ محمد كتب النصارى ليفيد منها في كتابة القرآن ، وهو الذي أنكر أصول النصرانية ، كالتثليث ، والصلب ، وعقيدة الفداء والكفارة ؟ ، وكيف يقرأ محمد كتب اليهود وهو يحاجّهم ويكشف أمرهم تارة بالوحي ، وأخرى بسنته واجتهاده صلى اللّه عليه وسلم . إن اللّه هو الذي طلب من اليهود على لسان محمد أن يأتوا بالتوراة إذا أمكنهم ، وهذا من باب الإلزام والإفحام للخصم ، حتى يكذّب اللّه دعواهم في مسألة مخصوصة ، تنازعوا فيها ، وهي تحريم إسرائيل ، وهو نبي اللّه يعقوب عليه السلام ، أكل العرق ، على نفسه ، أو أكل ولد ما له عرق ، وذلك لنذر كان نذره ، إن شفاه اللّه من عرق النسا ، الذي كان يزعجه ويقلقه ويؤرقه فلا ينام ؛ فحرم اليهود ذلك على أنفسهم اتباعا له ، لا لنص ملزم في التوراة ؟ ، والآية التي عليها مدار الحديث هي : كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا